Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / فن ومشاهير / عمر الفيتوري... جغرافيا الشجن الليبي في مرآة الوجدان المغاربي

عمر الفيتوري... جغرافيا الشجن الليبي في مرآة الوجدان المغاربي

كيوسك أنفو 11 مايو 2026 - 17:26 فن ومشاهير

يونس مصدق _ ​من ليبيا التي تمد ذراعيها بين شموخ الجبل وعمق الصحراء، يأتينا صوت الفنان عمر الفيتوري؛ ليس فقط كمطرب يحمل لواء الأغنية الليبية، بل كمعماريٍّ للصوت يبني جسوراً من التفاهم الوجداني بين الشرق والغرب المغاربي.

 

 

فن “المرسل”: حين يصبح الصوت معماراً ثقافياً

 

​يمثل عمر الفيتوري في الذاكرة الثقافية الليبية ما يمثله كبار رواد الطرب في المغرب العربي؛ فهو حارس “الكلمة الموزونة”. وإذا كان المغرب يعتز بفن “الملحون” كديوان للمغاربة، فإن الفيتوري استطاع عبر فن “المرسل” أن يقدم “ديواناً بصرياً” لليبيا. صوته لا يكتفي بنقل الكلمة، بل يمنحها ثقلاً هندسياً؛ تارةً تشعر فيه بصلابة العمارة الصحراوية القديمة، وتارةً بليونة الموج المتوسطي الذي يربط طرابلس بطنجة.

 

سيمياء المكان: كيف “نرى” ليبيا في صوت الفيتوري؟

 

​هناك علاقة “أنطولوجية” (وجودية) بين خامة صوت الفيتوري وبين الهوية البصرية لليبيا. يمتلك الفيتوري قدرة فائقة على خلق “سينما ذهنية” لدى المستمع؛ فحين يشدو بـ “يا غايب” أو “مكتوب”، يجد المستمع المغربي نفسه، دون وعي، يرسم ملامح الدروب الليبية العتيقة، ويستشعر وقار “الصدرة” و”الرداد” (الزي التقليدي). صوته مشبع بـ “الظل والنور”؛ الظل الذي يتركه الشجن الأصيل، والنور الذي يبثه الأمل في الموروث الشعبي. إنها “الهوية” حين تتحول من مادة صماء إلى ذبذبات صوتية عابرة للحدود.

 

الوعي الفلسفي بالأثر: الفن كـ “وطن موازٍ”

 

تقوم ​فلسفة الفيتوري الفنية على مفهوم “الأصالة المتجددة”. هو يدرك أن الهوية ليست “متحفاً” نغلقه، بل هي كائن حي يتنفس. لذا، فإن فنه يمثل “الوطن الموازي” الذي يلجأ إليه الليبيون -والمغاربيون عموماً- للبحث عن الذات. في صوته نجد إجابة فلسفية عن سؤال الانتماء: كيف نظل حداثيين دون أن نفقد رائحة الأرض؟ الفيتوري أجاب بحنجرته، محولاً الأغنية إلى وثيقة ثقافية تحفظ ملامح الإنسان الليبي من الذوبان في عولمة الفن السريع.

 

صدى ليبيا في قلب المغرب

 

​إن الاحتفاء بعمر الفيتوري في منبر مغربي هو احتفاء بوحدة الوجدان. فالفنان الكبير لم يقدم موسيقى للاستهلاك، بل قدم “رؤية بصرية وصوتية” للروح الليبية بصبرها، وكبريائها، وجمالها الفطري. سيظل صوته دائماً هو ذلك “الصدى” الذي يذكرنا بأن الفن هو المحاولة الأخيرة للإنسان للانتصار على المسافات، وأن الجمال -كصوت الفيتوري- لا يحتاج إلى تأشيرة ليدخل قلوب المتذوقين من المحيط إلى الخليج.

 

شاركها LinkedIn