Ads 160x600
Ads 160x600
الرئيسية / / آراء / كرة القدم كمدرسة في التدبير الإداري

كرة القدم كمدرسة في التدبير الإداري

كيوسك أنفو 17 يناير 2026 - 17:28 آراء

رضوان الحسني – لم تعد كرة القدم في زمننا هذا مجرد لعبة تنافسية تمارس داخل المستطيل الأخضر، بل أضحت منظومة تدبيرية معقدة، تتداخل فيها الأبعاد التقنية، والتنظيمية، والإنسانية، وتخضع لنفس منطق الإدارة الحديثة القائم على التخطيط، والحكامة، وتدبير الموارد، واتخاذ القرار في سياق مليء بعدم اليقين. وإذا دققنا أكثر في تفاصيل هذه اللعبة المجنونة، سنجد أنها تدبر اليوم باستحضار أشهر نظريات التدبير الحديث المطلوب والمرغوب بمؤسساتنا.

أولا: الرؤية والاستراتيجية في سياق متقلب:

في كرة القدم، لا تبنى الاستراتيجية من فراغ، بل في بيئة تتسم بتقلب النتائج، وضغط الجماهير، وتسارع الإيقاع الإعلامي. فخطة اللعب ليست وثيقة جامدة، بل تصور مرن يتأثر بالأداء، والإصابات، والحالة النفسية للاعبين.

وبالمثل، تواجه الإدارة تحديات خارجية وداخلية تفرض مراجعة مستمرة للخطط، مما يجعل المرونة الاستراتيجية شرطا أساسيا للنجاح، لا ضعفا في آليات التدبير.

ثانيا: المدرب/المدبر وقيادة المشاعر:

قبل قيادة المهام

يمارس المدرب دورا مركزيا لا يقتصر على الجانب التكتيكي، بل يمتد إلى تدبير الأحاسيس les émotions داخل الفريق كالشعور بالإحباط بعد الهزيمة، أو الغرور بعد الانتصار، أو الخوف قبل المباريات الحاسمة، والضغط الناتج عن الانتظارات المرتفعة.

وهذا الدور يقابله في الإدارة والتدبير الحديث ما يعرف بالذكاء العاطفي للمدبر، أي قدرته على فهم مشاعر العاملين والمتدخلين والفاعلين…، وضبط انفعالاته، وتحويل التوتر إلى طاقة إيجابية. فنجاح القيادة لا يتحقق فقط بإصدار التعليمات، بل بإدارة المناخ النفسي داخل التنظيم كيفما كانت تركيبته.

ثالثا: التفاعل الداخلي؛ غرفة الملابس كنموذج تنظيمي:

تشكل غرفة الملابس فضاء داخليا بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الشخصيات، وتبنى الثقة، أو تتفاقم الصراعات. وأي خلل في التواصل الداخلي ينعكس بالتأكيد مباشرة على الأداء في رقعة الملعب.

وبالقياس ذاته، فإن المؤسسات التي تهمل التواصل الداخلي، وتغفل الإنصات للعاملين، تنتج مقاومة صامتة وفتورا تنظيميا، حتى وإن توفرت الموارد والإجراءات. فالتدبير الفعال يبدأ من الداخل، انطلاقا من وضوح الأدوار، والشعور بالانتماء، والعدالة التنظيمية

رابعا: التفاعل الخارجي( الجمهور، الإعلام، والمحيط):

يخضع فريق كرة القدم لتفاعل خارجي دائم وشبه مباشر مع الجماهير، ومع وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي. وهو تفاعل قد يكون داعما أو مثبطا ومحبطا. هنا يصبح المدرب واللاعب مطالبان بتدبير هذا الضغط الخارجي بحكمة وحدر ، وعدم السماح له بالتأثير السلبي على القرارات والأداء.

وتعيش المؤسسات الإدارية وضعا مماثلًا، حيث تؤثر صورة المؤسسة، وانتظارات المرتفقين، والخطاب الإعلامي، في مناخ العمل واتخاذ القرار. وهنا تبرز أهمية التواصل المؤسساتي، وتدبير السمعة، والقدرة على الفصل بين النقد الموضوعي والضغط الشعبوي.

خامسا: تقلبات الأحاسيس وأثرها على الأداء والقرار:

أظهرت التجربة الكروية أن الأداء ليس ثابتا، لأنه مرتبط بالحالة النفسية والانفعالية. فالفريق المتماسك نفسيا يمكنه مثلا أن يتجاوز ضعف الإمكانيات، في حين قد يفشل فريق قوي تقنيا بسبب انهيار معنوي حتى وإن توفرت الإمكانيات.

والإدارة ليست بمنأى عن هذا المنطق، إذ تتأثر القرارات بسياق الضغط النفسي، والخوف من الفشل، أو الرغبة في إرضاء المحيط، مما يستدعي بناء آليات مؤسساتية تقلل من هيمنة المزاجية، وتوازن بين العقلانية والتفاعل الإنساني بشكل هادئ.

سادسا: الهزيمة والنجاح (من الانفعال إلى التعلم التنظيمي):

في كرة القدم، يشكل تدبير ما بعد الهزيمة أو الانتصار لحظة حاسمة ومهمة جدا. فالانفعال غير المنضبط قد يفسد مشروعا كاملا، بينما التحليل الهادئ يحول الحدث إلى خبرة تراكمية.

وهذا ما تؤكد عليه نظريات التعلم التنظيمي في الإدارة الحديثة، حيث تعتبر القدرة على تحويل التجربة—بكل ما تحمله من شحنات عاطفية—إلى معرفة قابلة للاستثمار، مؤشرا على نضج المؤسسة.

يمكن أن نستخلص إذا

أن كرة القدم، بما تحمله من ضغط، وتفاعل، وتقلب في الأحاسيس، تقدم لنا اليوم نموذجا مكثفا لفهم التدبير في بيئات معقدة. فهي تظهر أن الإدارة ليست فقط تنظيم موارد واتخاذ قرارات، بل هي أيضا فن تدبير الموارد البشرية، دون إغفال المشاعر، والعلاقات، في سياق داخلي وخارجي متغير ومتقلب ومزاجي أحيانا. ومن هذا المنطلق، يصبح الملعب صورة حقيقية للمؤسسة/المرفق، ويغدو النجاح نتاج توازن دقيق بين العقلانية التدبيرية والذكاء الإنساني، دون إغفال أهم عنصر في هذه اللعبة كلها وهو “النية” التي بدونها لن تفلح كل هذه القراءات والتحليلات٠

شاركها LinkedIn

This will close in 0 seconds