ليس اللون الازرق وحده القاسم المشترك بين كل من مانشستر سيتي من جهة، وحزب الاصالة والمعاصرة والتجمع الوطني من جهة ثانية، بل إن أكبر قاسم مشترك بين الثلاثة هو الاعتماد على الاخرين في التشكيلة الرسمية التي يدخل بها الأول منافسته الرياضية ويشارك بها الاثنان الاخران في معاركهما السياسية والانتخابية.
فلا السيتي ولا البام او الأحرار يعتمدون على التكوين والاستثمار الطويل الامد في المورد البشري، بل يعرف عنهم جميعا اعتمادهم على خطف الأسماء والعناصر المتألقة في الفرق والأحزاب السياسية، لدرجة يمكن الجزم أن الميركاطو والترحال هو وسيلتهم الوحيدة للبقاء في دائرة المنافسة.
ولعل الفارق الوحيد أن سوق الانتقالات في كرة القدم يخضع لقوانين واضحة، وتحدد فيه قيمة اللاعبين ومواعيد التعاقد معهم، بينما يبدو «الميركاطو» السياسي أكثر انفتاحا وأقل انضباطا، إذ يمكن أن ينتقل المنتخب من ضفة إلى أخرى، وأن يجد الحزب نفسه بين عشية وضحاها وقد عزز صفوفه بأسماء كانت حتى الأمس القريب محسوبة على منافسين مباشرين.
في مانشستر، تقوم استراتيجية تشكيل الفريق على قدرة مالية غير محدودة على استقطاب العناصر الاكثر تميزا في سوق الانتقالات. وهو خيار سبقته إليه الأحزاب المغربية، اذ لم تعد المنافسة الحزبية تقتصر على تقديم البرامج واستمالة الناخبين، بل اصبحت تشمل ايضا استقطاب شخصيات ومنتخبين واعيان وكفاءات تمكنوا من بناء نفوذ وحضور داخل تنظيمات سياسية اخرى.
وهنا يصبح الإشكال أكبر من مجرد مقارنة ساخرة بين كرة القدم والسياسة، بل يفتح الباب أمام سؤال: هل نحن أمام أحزاب تبني مواردها البشرية من الداخل، أم أمام تنظيمات سياسية تفضل شراء الجاهز واستقطاب من سبق له أن صنع لنفسه اسما وموقعا ونفوذا؟
فالاستثمار في الإنسان السياسي يحتاج إلى وقت، يبدأ من التأطير والتكوين، ويمر عبر تحمل المسؤولية والتدرج داخل الهياكل، وينتهي بإنتاج قيادات تحمل مشروع الحزب وتدافع عنه حتى في لحظات التراجع. أما استقدام الوجوه الجاهزة، وإن كان ذلك يمنح الحزب دفعة انتخابية سريعة، فإنه قد يحول السياسة تدريجيا إلى سوق مفتوحة، يصبح فيها الانتماء الحزبي أقل أهمية من القدرة على الفوز بالمقعد.
المشكلة، إذن، ليست في انتقال سياسي من حزب إلى آخر، فهذا حق مشروع في الحياة السياسية، وليست أيضا في استقطاب الكفاءات، لأن الأحزاب تحتاج باستمرار إلى تجديد دمائها. الإشكال يبدأ عندما يصبح الاستقطاب بديلا عن البناء والتكوين، ويصبح الانتقال قاعدة لا استثناء، ويصبح معيار قوة الحزب هو عدد الأسماء التي نجح في انتزاعها من منافسيه، لا عدد الكفاءات التي نجح في إفرازها من داخله.
وفي هذه الحالة، يتجاوز «الميركاطو» كونه مجرد وسيلة لتعزيز التشكيلة، ويتحول إلى فلسفة سياسية قائمة بذاتها، مفادها أن من يملك القدرة على الاستقطاب يملك القدرة على المنافسة، ومن يعجز عن استقطاب الأسماء يجد نفسه مضطرا إلى انتظار ما قد يسقط من سوق الانتقالات.
وإذا كان مانشستر سيتي قادرا على تحقيق الألقاب اعتمادا على إنفاقه اللامحدود في سوق الانتقالات، فإن السياسة لا تعمل بالمنطق نفسه. فاللقب الرياضي يحسمه الملعب في تسعين دقيقة، أما الشرعية السياسية فتحتاج إلى بناء طويل، وإلى أحزاب لها ذاكرة وإيديولوجيا ومناضلون وقواعد، لا مجرد تشكيلة انتخابية يتم تجميعها كقطيع مواشي كلما اقترب موعد الاستحقاق.
من هنا، قد يكون اللون الازرق مجرد صدفة، وقد يكون التشابه في طريقة تشكيل الفرق واللوائح الانتخابية مجرد استعارة رمزية، لكن ما هو أبعد من اللون والتشبيه هو سؤال جوهري يستحق أن يطرح: هل تستطيع الأحزاب التي تتصدر المنافسة الانتخابية اليوم أن تبني جيلا سياسيا جديدا، أم أنها ستظل مضطرة في كل موسم انتخابي إلى البحث عن نجوم و لاعبين جدد في سوق فوضوية لا تهدأ؟